ابن كثير
166
البداية والنهاية
فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها ابن الخياط وأنشأ يقول : أخذت ( 1 ) بكفي كفه أبتغي الغنى * ولم أدر أن الجود من كفه يعدي فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى * أفدت ، وأعداني فبددت ( 2 ) ما عندي قال : فبلغ ذلك المهدي فأعطاه بدل كل درهم دينارا . وبالجملة فإن للمهدي مآثر ومحاسن كثيرة ، وقد كانت وفاته بماسبذان ، كان قد خرج إليها ليبعث إلى ابنه الهادي ليحضر إليه من جرجان حتى يخلعه من ولاية العهد ويجعله بعد هارون الرشيد ، فامتنع الهادي من ذلك ، فركب المهدي إليه قاصدا إحضاره ، فلما كان بماسبذان مات بها . وكان قد رأى في النوم وهو بقصره ببغداد - المسمى بقصر السلامة - كأن شيخا وقف بباب القصر ، ويقال إنه سمع هاتفا يقول : كأني بهذا القصر قد باد أهله * وأوحش منه ربعه ومنازله وصار عميد القوم من بعد بهجة * وملك إلى قبر عليه جنادله ولم يبق إلا ذكره وحديثه * تنادي عليه معولات حلائله فما عاش بعدها إلا عشرا حتى مات . وروي أنه لما قال له الهاتف : كأني بهذا القصر قد باد أهله * وقد درست أعلامه ومنازله فأجابه المهدي : كذاك أمور الناس يبلى جديدها * وكل فتى يوما ستبلى فعائله فقال الهاتف : تزود من الدنيا فإنك ميت * وإنك مسؤول فما أنت قائله فأجابه المهدي : أقول بأن الله حق شهدته * وذلك قول ليس تحصى فضائله فقال الهاتف : تزود من الدنيا فإنك راحل * وقد أزف الامر الذي بك نازل فأجابه المهدي : متى ذاك خبرني هديت فإنني * سأفعل ما قد قلت لي وأعاجله فقال الهاتف : تلبث ثلاثا بعد عشرين ليلة * إلى منتهى شهر وما أنت كامله
--> ( 1 ) في وفيات الأعيان 4 / 401 : لمست . ( 2 ) في الوفيات : فضيعت .